الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم

السؤال: يحتفل كثير من الناس بالمولد النبوي إظهارًا لفرحهم بمولده صلى الله عليه وسلم وتكريمًا له وإحياءً لذكراه؟ فما مدى مشروعية هذه الاحتفالات إذا لم تقع فيها المخالفات الشرعية التي تكون في الاحتفالات بالموالد عمومًا؟ وهل ترون حرجًا في شراء الحلوى التي تباع في هذه المناسبات ويتعلق بها الأطفال؟

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فلا يجوز الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بمولِد غيره؛ لأن ذلك من البِدَع المحدثة في الدِّين؛ فلم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا غيرهم من الصحابة- رضوان الله على الجميع- ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة، وهم أعلم الناس بالسنة، وأكمل حبًّا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتابعة لشرعه ممن بعدهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (1).
وقرنه صلى الله عليه وسلم هو الذي عاش فيه وأصحابه، ثم الذين يلونهم التابعون، ثم الذين يلونهم أتباع التابعين، وكل هذه القرون المفضلة لم تشهد هذه البدعة.
وأول من أحدث هذه البدعة هم الفاطميون في القرن الرابع الهجري، ولهم من الطَّوَامِّ في العقائد والشرائع ما تشيب لهوله الولدان، فقد كانوا إسماعيليين زنادقة، أدعياء للنسب النبوي الشريف، فهم من ذرية عبد الله بن ميمون القدَّاح اليهودي الباطني، وقد حكموا المسلمين بالتضليل والغواية، وحولوا الدِّين إلى كفر وزندقة وإلحاد، فهذا الذي تسمَّى (بالحاكم بأمر الله) هو الذي ادَّعى الألوهية، وأسس جملة من المذاهب الباطنية، وأرغم المصريين على سب أبي بكر وعمر وعائشة، وعلق ذلك في مساجد المسلمين، ومنع المصريين من صلاة التراويح، ومن العمل نهارًا إلى العمل ليلًا، ونشر الرعب والقتل، واستحل الأموال وأفسد في الأرض، مما تعجز المجلدات عن الإحاطة به، فهل يقول عاقل بأن هؤلاء الزنادقة الملحدين قد اهتدوا إلي شيء من الحق لم يعرفه الصديق والفاروق وعثمان وعلي وسائر الصحابة، والأئمة من التابعين وتابعي التابعين؟!
ولو كان في مثل هذا الاحتفال خيرٌ ما قصر رسول الله في إبلاغه لأمته، وهو القائل كما في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَـهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَـهُمْ»(2).
ولو كان من الدين لبلغه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أنزل الله تعالى عليه قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67]. وأنزل الله عليه قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
فما لم يكن يومئذ دينًا فلن يكون اليوم دينًا، ورحم الله مالك بن أنس وهو من أتباع التابعين إذ قال: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة. اقرءوا إن شئتم قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. فما لم يكن حينئذٍ دينًا لا يكون اليوم دينًا، ولا يَصلُح آخر هذه الأمة إلا بما صَلُح به أولها»(3).
فإن سأل سائل: هل من سبيل إلى احتفال مشروع بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فالجواب على ذلك بالإيجاب: وقد اتفق عليه المسلمون جميعًا، لم ينازع فيه أحد منهم، وهو أمر يتكرر أسبوعيًّا، ولا يُكتفى فيه بأن يكون مرة كل عام، ألا وهو صيام يوم الإثنين، مع استشعار السر في ذلك، وهو أن يكون صومه شكرًا لله تعالى على أن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وأنزل الوحي فيه، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما تقول في صوم يوم الإثنين؟ قال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَأُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَيَّ فِيهِ»(4). وهو على وزان صوم اليهود يوم عاشوراء، وقد كان صوم عاشوراء مفروضًا على المسلمين قبل فرض صيام شهر رمضان.
أخرج البخاري عَن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَال: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَال: «مَا هَذَا؟» قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى الله بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى- زاد مسلم في روايته: شكرًا لله تعالى، فنحن نصومه، وللبخاري في رواية أبي بشر: ونحن نصومه تعظيمًا له. قَال: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ». فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ(5).
ولا حرج أن يذكر الناس بالسيرة العطرة بمناسبة المولد في دروسهم المعتادة، كما يذكر الناس إذا دخل رمضان، بما وقع فيه من أيام الإسلام، كغزوة بدر وغيرها.
ويشرع أن تكون دروس الخطيب ومحاضراته متوافقةً مع الزمان والمكان، وإذا تاقت نفوس أولادك للحلويات التي تباع في المولد فاشترها لهم في وقت آخر، خروجًا من التشبه بمن دخل في هذه المخالفات. والله تعالى أعلى وأعلم.

_________

(1) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الشهادات» باب «لا يشهد على شهادة جور إلا أشهد» حديث (2652)، ومسلم في كتاب «فضائل الصحابة» باب «فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» حديث (2533).

(2) أخرجه مسلم في كتاب «الإمارة»  باب «الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء» حديث (1844).

(3) انظر «الاعتصام» للشاطبي (1/49).

(4) أخرجه مسلم في كتاب «الصيام» باب «استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء والإثنين والخميس» حديث (1162) من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه.

(5) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «المناقب» باب «إتيان اليهود النبي صلى الله عليه وسلم» حديث (3943)، ومسلم في كتاب «الصيام» باب «صوم يوم عاشوراء» حديث (1130).

تاريخ النشر : 19 يوليو, 2018
التصنيفات الموضوعية:   05 الإيمان بالرسل., 10 متفرقات في العقيدة.

فتاوى ذات صلة: