موسوس تأتيه وساوس كفرية

أنا صاحب رسالة الأمس التي كانت بعنوان: «هل هذا القول يوجب الكفر؟» فيا شيخي الفاضل، بعد أن كنْتُ مصابًا بالوسواس في الطلاق انتقل هذا الوسواس إلى الخوف من التفكير أو أقوال الكفر، وأعتقد أنهما مرتبطان ببعضهما، بسبب أنني كنت قد قرأت أن من يقول قول كفر أو يكفر يترتَّبُ على ذلك بطلان عقد الزوجية وإن تاب، هذا بالإضافة إلى ما يترتب على الكفر من مصائب، فأنا الحمد لله ملتزم بالصلوات الخمس في جماعة في المسجد، ومداوم على الأذكار وقراءة القرآن، وصلاة النوافل وقيام الليل، كما أداوم والحمد لله على صيام جميع أيام النوافل، وابتلاني الله بهذا المرض، وأنا راضٍ والحمد لله، ولكني أخشى أن يتسبَّبَ هذا المرض في بُعدي عن الله أو يتسبب في مصيبة في دنياي أو ديني والعياذ بالله، فاليوم قال لي أحد الأشخاص: «إن الصلاة في مسجد قباء تساوي عمرة». فلا أعلم لماذا حينها فكرْتُ هل لو كنْتُ أعيش في زمن النبي سأؤمن بالله وسيدنا محمد وأسلم، وبعد ذلك قلت لنفسي: لو أن أحد الشيوخ المشهورين في مصر قال شيئًا في السياسة أو الدين أصدقه؛ نظرًا لثقتي فيه، فما بالنا بسيدنا محمد، فمن الطبيعي أن يؤمن الصحابة به.
وأثناء ذلك تخيَّلْتُ هذا الشيخ يقول لنا: «إن الصلاة في مسجد قباء تُعادل عمرة». ونطقت هذه الجملة على لسان الشيخ، ولكني لم أكن أقصد أن أُشبِّه هذا الشيخ بالنبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، ولم أكن أشبه نفسي بالصحابة، ولكني كنت أشبه الموقف فقط، وأقربه إلى نفسي، ولكن جاءني الوسواس بعدها مباشرة بأنني بما فكرت ونطقت شبهت هذا الشيخ بالنبي محمد، هذا فضلًا عن أنني عندما أفكر في أي شيء متعلق بالدين تُهاجمني الكلمات الكفرية، وتختلف هذه الكلمات باختلاف المواقف والأفكار، ولكني أكون كارهًا لذلك جدًّا، وأظل أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ولكن يأتيني الوسواس والشك بأني نطقت هذه الكلمات وﻻ أعلم ماذا أفعل.
أنا عندي يا شيخ ثلاثة أسئلة، أرجو أن تجيبني عليها:
الأول: هل يترتب على الموقف الذي رويته والمتعلق بالصلاة في مسجد قباء وتشبيهي أيُّ شيء؟
الثاني: هل عندما تُهاجمني الكلمات الكفرية وأكون كارهًا لها، ثم يأتيني الوسواس وأتشكك في نطقي لها، هل من الأفضل أن أتشهد وأغتسل أم أتجاهل هذه الوساوس؟
الثالث: هل إذا نطق الشخص بقول كفر أو أي شيء من هذا القبيل وتاب إلى الله، هل يؤثر ذلك على عقد الزوجية وتُعتبر زوجته بائنًا أم أن التوبة قبل انتهاء العدة تُبقي عقد الزواج كما هو؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن جميع هذه الوساوس ما دُمْتَ تكرهها وتُقاومها وتُدافعها، ولا تؤثر على إيمانك بالله ورسوله، فلا يترتب عليها شيء، لا على إسلامك، ولا على رابطة الزوجية التي تربطك بأهلك، بل إن كراهيتك لها، ومدافعتك لها آية على صريح الإيمان الكامن في أعماقك، وإليك الحُجة على هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ففي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء ناسٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: «أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟» قالوا: نعم، قال: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»(1).
والمقصود من الحديث أن كراهية هذه الوساوس وبغضها والنفور منها هو صريح الإيمان، وليس المراد أن وجودها هو صريح الإيمان، قال النووي: «معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلًا عن اعتقاده، إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالًا محققًا»(2).
فلا تُقِمْ لهذه الوساوس وزنًا، ولا تُلْقِ لها بالًا، ولا تعتقد أنك قد جئت بما يوجب عليك أن تغتسل وتجدد إيمانك، بل يكفي طردها، والاستعاذة بالله منها ومقاومتها؛ ليثبت لك صريح الإيمان، الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلى وأعلم.

——————————-

(1) أخرجه مسلم في كتاب «الإيمان» باب «بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها» حديث (132).
(2) «شرح النووي على صحيح مسلم» (2/ 154).

فتاوى ذات صلة: