معيار تحديد الكفر

شكرًا لك على جُلِّ وقتك الذي تهديه لنا. لديَّ عدة أمور محتارة بها ويسعدني سماعُ رأيك فيها:
١- كثير من الناس الذين أجلس معهم يتكلمون بكلمات كفرية دون قصدهم خلال سياق الحديث والعياذ بالله مثل: «لو ينزل ربنا مش هيقدر على فلان» يعني فلان قوي. «الموضوع كبير لعند الله» ويقصدون بها أن الموضوع معقَّد. ومثل كلمة «جنن ربي فلان» معناها فلان أصابني بالجنون.
خلال تلفظهم بهذه الألفاظ هم يتكلمون بها عن سرد قصص واقعية أو أمور حياتية لهم ولا يقصدونها، أو يقصون معناها الحرفي بل هي «مصطلحات»، وهم لا يدرون ما الكفر، ودومًا أقول لمن يتلفظ بهذا: «استغفر ربك». فيقال لي: «والله بشرحلك أنا عن… مش قصدي هيك ولك بحكي وبس مش قصدي اللفظ!».
فهذه الجُمَل دارجة على ألسن الجميع، ومقصود ظاهرها غير ما يقصده الناس، فما العمل بهذه الحال وهل من يتلفظها كافر؟ هم لا يتلفظونها سخرية من الدين أو وعيًا لها ولا يقصدون ظاهرهَا. فما العمل؟
٢- معروف أن قتل أو ضرب النبي هو عمل يكفُر صاحبه، فعندما رأى سيدنا موسى قومَه يعبدون العجل شدَّ لحية أخيه وهو أخوه نبيٌّ مثله، وهذا مذكور في القرآن، لكن النبي سليمان موعود بالجنة ولم يكفر بذلك، فهل من غلبه الغضب وقال كلماتٍ كفريَّة لا يعيها لشدة الغضب، فهل يكون كافرًا أم لا؟
٣- معروف أن رمي القرآن في الشارع أو القاذورات متعمدًا كفرٌ. لكن هل لو سقط القرآن من حقيبة شخص ووقع في القاذورات دون أن يقصد أن يرمي القرآن في القاذورات؛ فهل يكون ذلك الإنسان كافرًا؟
٤- معروف أن التلَفُّظَ بكلمات الكفر كفرٌ، لكن هل العبد الذي أضاع حصانه وماءه وزاده ثم وجده صدفةً فتلفظ بالكفر دون نية الكفر، فهل يكون كافرًا؟ ذلك العبد الذي قال خطأ والعياذ بالله «اللهم أنت عبدي وأنا ربك»، فمن تلفظ بالكفر في حالة إغلاق كشدة غضب أو كشدة دهشة أو كشدة نعاس، أو يتلفظ بالكفر وهو لا يعلم خلال النوم، هل يجوز تكفيره؟
فكثير من البشر يتكلَّمون بكلام دون وعيٍ ودون تخطيطٍ في حالة الغضب الشديد، وحينما يهدءون ونخبرهم أنهم تلفظوا بالكُفر حين غضبهم يذهلون وينكرون ذلك، ولا يصدقونا. فهل هم كفار حين تلفظهم بتلك الأمور أم يُعذرون بالإغلاق الفكري الذي كانو به؟
ملاحظة: ربنا جعل كل إنسان ينطق بالكفر وهو مدرك وواعي له كافرًا إلا إذا جاءوا إليه الكفار لتعذيبه، فحتى لو كان واعيًا بأنه ينطق بالكفر حينها فإنه لا يكفر لأنه كان مهددًا بالقتل من الكفار، وكذلك من يُخبر عن الكفر فإنه لا يكفر لأنه جاء بخبر عن إنسان آخر كافر؛ لأنه يخبر عن أحداث وليس عمل له. وكذلك من هزل بالكفر أو بالدين فهو أيضًا كافر إذا كان يقصد ويعي ذلك الاستهزاء، لكن هل مَن ينطق بتلك الكلمات حين إغلاقِ فكرِهِ نتيجةَ صدمة مفرحة أو صدمة غضب أو صدمة ذهول، مثل سيدنا موسى حين ضرب أخاه وهو نبي مثله، ومثل الأعرابي الذي رجعت له ناقته فتلفظ بالكفر خطأ بسبب شدَّة الذهول والفرح. فهل هؤلاء كفار؟
أرجوك أجبني: ما المعيار لتحديد الكفر؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن أصل الدين يا بُنَي هو الإقرار بالتوحيد والرسالة، والبراءة من الكفر والشرك، ويقصد بذلك الإقرار الالتزامي الذي يُراد به الدخول في الإسلام، والإجابة إلى الإيمان، والبراءة مما يخالفه من الملل الأخرى.
والإقرار بالتوحيد يا بنيَّ يعني الالتزام المطلق بعبادة الله وحده، والكفر بما يعبد من دونه، والعبادة تقوم على ركنين: كمال المحبة والتعظيم، وكمال الطاعة والتسليم.
والإقرار بالرسالة يقوم على ركنين: التصديق والانقياد، تصديق الخير والانقياد للشرع.
فمن لم يحصل في قلبه التصديقُ والانقياد لم يثبت له عقد الإسلام؛ فمن سبَّ الله أو سبَّ رسوله عالمًا بأن ذلك سبٌّ، قاصدًا إليه، فقد أتى بابًا من أبواب الردَّة المغلظة والكفر المزيد، أما من جهل أن ذلك أو لم يقصد إليه، كما لو كان ذاهلًا أو مدهوشًا أو نائمًا ونحوه لم يتحقق فيه مناط الكفر. ومن هذا القبيل قصة الرجل الذي أخطأ من شدة الفرح فقال: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ»( ).
ومن سقط منه المصحف في القاذورات على غير قصد منه لم يتحقَّق فيه المناط المكفر لتخلف القصد إلى الفعل، بخلاف من فعل ذلك عامدًا.
وموسى عليه السلام عندما ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه كان معذورًا بشدة الغضب، وقد كان غضبه لله جل جلاله؟
وينبغي الاشتغال بتعليم الناس التوحيد والإيمان، وتعظيم شعائر الله عز وجل، وتعظيم حرماته، بدلًا من الاشتغال بتصنيفهم والحكم عليهم. والله تعالى أعلى وأعلم.

فتاوى ذات صلة: