حول نسبة قطر إلى قطري بن الفجاءة واتهمها بانها تحمل جينات الخوارج!!!

يتداول بعض النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي كلمة منسوبة لبعض أهل الفتوى من أن تسمية دولة قطر جاءت من قطري بن الفجاءة، وأنها وكر الخوارج، وان اللاحقين من أهل قطر على خطى السابقين، فما مدى دقة هذه المقولة؟ لا سيما في ظل حالة الحشد والاستقطاب الراهنة بمناسبة الأزمة الخليجية؟ أفتونا مـأجورين

الإجابة 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإن هذا الذي يتقاولون به موضع تفصيل: 
فإن كان المقصود به أن أصل هذه التسمية ومنشأها كان على يد قطري بن الفجاءة؛ كأنه هو مؤسس هذه الدولة، وإليه تنتسب! فهذا خطأ تاريخي ظاهر؛ فإن هذه التسمية لهذه المنطقة موجودة منذ زمان الجاهلية قبل الإسلام، ولم يكن يومها قطري بن الفجاءة شيئًا مذكورًا، أي قبل أن يولد.
وقد جاءت الإشارة إليها في السنة المطهرة، من خلال ما اشتهرت به من ثيابٍ لبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوشح بها، ومن خلال عمامة تعمم بها:
ففي المسند من حديث أنس رضي الله عنه بإسناد صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم توشح بثوب قطري,
وقد كانت آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوب قطري، ففي المسند: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَكَّأُ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ مُتَوَشِّحًا فِي ثَوْبٍ قِطْرِيٍّ، فَصَلَّى بِهِمْ» أَوْ قَالَ: «مُشْتَمِلًا بِهِ فَصَلَّى بِهِمْ» مسند أحمد ط:الرسالة (21/ 292).
قال الألباني رحمه الله: في كتابه صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: و”آخر صلاة صلاها في ثوب قِطْرِيٍّ متوشحًا به”(1/ 157).
قال ابن الأثير رحمه الله: ( ” بثوب قطري ” هو ضرب من البرود فيه حُمْرَة، ولها أعلام فيها بعض الخشونة، وقيل: هي حُلل جياد تُحمل من قِبَل البحرين – والبحرين تطلق آنذاك على شرقي الجزيرة العربية، وليس جزيرة مملكة البحرين الحالية – وقال الأزهري: في أعراض البحرين قرية يُقال لها: قَطَـر، وأحسب الثياب القطرية نسبت إليها، فكَسَرُوا القاف للنسبة، وخففوا ) أ.هـ.
وقال الإمام ابن حجر العسقلاني: ” ثياب من غليظ القطن، ونحوه ” كما في جمع الوسائل شرح الشمائل لعلي القاري.
وكان مما تعمم به النبي صلى الله عليه وسلم عمامة قطرية، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «تَوَضَّأَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ، فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ، وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ» سنن ابن ماجه ت الأرنؤوط (1/ 356) سنن أبي داود (1/ 37).
قال محمد فؤاد عبد الباقي:(قطرية) نسبة إلى قطر. وقال شعيب الأرنؤوط قوله: “قِطرية” بكسر القاف وتشديد الياء، نسبة إلى قَطَر بفتحتين. قاله السندي.
وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبَانِ قِطْرِيَّانِ غَلِيظَانِ، فَكَانَ إِذَا قَعَدَ فَعَرِقَ، ثَقُلَا عَلَيْهِ، فَقَدِمَ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ لِفُلَانٍ اليَهُودِيِّ، فَقُلْتُ: لَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ، فَاشْتَرَيْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ إِلَى المَيْسَرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ مَا يُرِيدُ، إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِمَالِي أَوْ بِدَرَاهِمِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَذَبَ، قَدْ عَلِمَ أَنِّي مِنْ أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ، وَآدَاهُمْ لِلأَمَانَةِ» سنن الترمذي (3/ 510).

فقطر عُرفت بهذا الاسم قبل الإسلام، وفي زمن النبوة تُنسب لها الثياب القطرية والإبل القطرية، ولم يكن يومها قطري بن الفجاءة -كما أسلفنا – شيئًا مذكورًا!! ولعل تسميتها بذلك ترجع إلى كثرة ما كان ينزل فيها من القطر (أي من المطر) فيما مضى، فقد ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان، وذكروا أن أصل هذه التمسية لما ينزل بها من القطر، أي إلى كثرة سقوط الأمطار فيها في الماضي.

أما قطري بن الفجاءة، فقد ذكر ابن خلكان أن اسمه كان جعونة بن مازن التميمي، وقيل حجينة، وقد وُلد جعونة أو حجينة في العدان، والعدان لغة هو سِيفُ البحر، موقعها اليوم في الكويت، ثم انتقل بعد ذلك إلى قطر، فلُقب بقطري. وأما أبوه مازن فقد رحل إلى اليمن وعاد منها بعد 20 سنة فلقب بالفجاءة.. وهذا أصل اسم قطري ابن الفجاءة.”
ومما قيل في نظم تاريخ قطر للشيخ الولي بن الشيخ ماء العينين:
وسميت قطرًا من قطرها مطرًا
وليس للقطري المعروفِ في القدم
بل إن نسبته منها لمسكنه
والدين فيها قويم راسـخ القدم
ولعل المشكل في الامر أن هذا الخطأ قد حملته مواقع إلكترونية لا تتهم بمعاداة هذه الدولة، بل إن بعضها قد ينتسب إليها ويحسب عليها، وهذا يعكس غفلة من المسؤولين جعلت سبيلا إلى عرضهم غفر الله لهم! وإن كانوا قد تداركوا ذلك مؤخرًا، وصححوا هذا الخلل، ولكن بعد أن وقعت الواقعة! وتقاول في ذلك من تقاول، وتخوض في عرضهم من تخوض!
أما إذا كان المقصود أن قطري بن الفجاءة الخارجي قد انتسب إليها لولادته بها؛ أو لانتقاله إليها، وإقامته بها – وهو الذي شكك فيه كثير من المؤرخين – فلا يضرها، ولا تعير به عند العقلاء:
· إلا إذا عيرت مصر بأنها كانت موطئ أقدام طغاة الفراعنة كالذي حشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى، واستخف قومه فأطاعوه!
· أو عيرت بأنها كانت مهدًا للدولة العبيدية، بكل مخازيها وفضائحها وشنائعها!
· وعيرت الأردن بأنها كانت مستقرًّا لمن كانوا يأتون الذكران من العالمين، ويأتون في ناديهم المنكر!
· وعيرت الرياض أو نجد بأنها كانت موطنًا لمسيلمة الكذاب أو لسجاح!
· وعيرت الطائف بأنها كانت موطنًا لمن طرودا رسول الله وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم وعبيدهم!
· وعيرت المدينة المنورة بأنها كانت مسرحًا لمؤامرات عبد الله بن أبي بن سلول وفريقه من المنافقين!
· وعيرت مكة بأنها كانت موطنًا لأبي جهل وأبي لهب وأمية بن خلف، وهذا لا يقول به عاقل!
أما عن المذهب السائد في قطر فهو في باب العقيدة سلفي المشرب في غير غلو ولا شطط، فلم يعرف في واقعنا المعاصر على أرضهم من يتبنى مذهب الخوارج في التكفير بالمعاصي! وآثار علمائهم وأدبياتهم شاهدة على ذلك، وهم في الفقه يدورون في فلك المذاهب الأربعة المعروفة؛ فهم ما بين المالكية والشافعية ثم استقر الأمر على تبني مذهب الإمام أحمد رحمه الله، لتصبح مع شقيقتها بلاد الحرمين الدولتين اللتين تبنتا مذهب الحنابلة!

ومن أهم علماء المذهب المالكي لديهم الشيخ راشد بن خنين، والشيخ محمد عبد الله بن فيروز، والشيخ مبارك آل مبارك وغيرهم. ومن أبرز فقهاء المذهب الشافعي لديهم، الشيخ إبراهيم بن عبد الله الأنصاري، ونجله الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، والشيخ يعقوب بن يوسف التميمي وغيرهم.

أما المذهب الحنبلي ودخوله إلى قطر فقد كان مع الوجيه أحمد بن رزق، وأبرز شيوخ المذهب، الشيخ محمد عبد الله بن فيروز الأحسائي، والشيخ عثمان بن عبد الله بن جمعة، والشيخ محمد بن حمدان، والشيخ محمد ابن حسن المرزوقي، والشيخ محمد بن مانع، والشيخ عبد الله بن درهم، ونجله الشيخ عبدالرحمن بن درهم، والشيخ عبد الله بن زيد آل محمود وغيرهم رحمهم الله.

وقد قدمت رسالة ماجستير إلى جامعة القرويين في المغرب، تحت عنوان: الاتجاهات العقدية والفقهية في قطر وصلتها بالمغرب الإسلامي. تولت شرح ذلك، واستفاضت في عرضه، وفيها كثير مما أوردنا!

وأخيرًا فإن الأرض لا تقدس أحدًا، ولا تدنس أحدًا، وإنما يقدس الإنسانَ أو يدنسه عمله، فقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي – رضي الله عنهما – أن هَلُمَّ إلى الأرض المُقَدَّسةِ، فكتب إليه سلمان: “إن الأرضَ المُقدّسة لا تُقَدِّسُ أحدًا، وإنما يُقدِّسُ الإنسانَ عمله”. الموطأ (2/ 235) فلا يخفى أن من من الثوابت القرآنية (كل نفس بما كسبت رهينة) (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون)

ومن الخير لأهل العلم والفتوى أن يظلوا بمنأًى عن مستنقعات السياسة، وأوحالها؛ حتى لا يستدرجوا إلى إفساد دينهم لإصلاح دنيا غيرهم!
والله من وراء القصد، والله تعالى أعلى وأعلم.

تاريخ النشر : 03 يوليو, 2017

فتاوى ذات صلة: