حول قضية النسبية وأنسنة النصوص الشرعية (1)

السؤال:

يتشدق الكثيرُ من دُعاة الليبرالية اليومَ بمفهوم النسبية، وأنه لا يوجد شيء اسمه الحقيقة المطلقة، حتى أنهم ليرفضون كثيرًا من مسائل الدِّين تحت هذا الادعاء الأعوج، كيف نردُّ عليهم؟ وما هي المصادر التي يمكننا الاطلاع عليها لمواجهة هذه الأفكار الغريبة؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فقبل أن ندخل في مناقشة هذه الدعوى بالتفصيل أود أن أذكِّر بجملة من النتائج واللوازم الخطيرة التي تترتب على هذا القول؛ حتى ينكشف الغطاء وتبدو أمامنا المآلات الحقيقية لهذه الدعوى؛ فإن هذا القول يفيء بنا إلى عدميَّة فىما يتعلق بالنصوص والأحكام الشرعية، ويترتب عليه ما يلي:

  • أن الله جل وعلا عندما قال: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [يوسف: 40]- كان يُحلِّق بنا في تهويمات مجرَّدة ويُحيلنا إلى معدومات بالنسبة لنا لا وجود لها في الواقع، ولا سبيل إلى التعرُّف عليها عند التطبيق؛ لأننا بمجرَّد الاتصال بالنصِّ يتحول في أيدينا من منطوق إلى مفهوم، ومن حُكم الله إلى حُكم البشر.
  • أن الله عز وجل عندما قال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)} [النساء: 59]- كان يردُّنا إلى معدوم، فإننا بمجرَّد الردِّ إلى النصوص والتعامل معها تتحول إلى مفاهيم بشرية، فنكون قد رددنا مواضع النزاع إلى مفاهيم بشرية هي بدورها قابلة لأن تكون محلًّا للنزاع، فىلزم الدور ويستمرُّ التنازع؛ لأننا نردُّ إلى الهوى المتعدد بتعدد المختلفين، فىكون ما جعله الله علاجًا للاختلاف سببًا لمزيد من الاختلاف.
  • أن الله عز وجل حينما كلَّفنا أن نقيم كتابه وأن نَحْكُمَ بحكمه قد كلفنا بما لا قِبَلَ لنا به، ولا سبيل لنا إلى إدراكه، فإننا بمجرد الاقتراب من النصوص التي تحمل لنا حكم الله تتأنسن في أيدينا، وتصبح أحكامًا بشرية، فىكون التكليف بالحكم بما أنزل الله تكليفًا بالمستحيل، ومطالبةً بتحقيق ما لا وجود له في الواقع.
  • ومن المآلات الخطيرة كذلك لهذه المقولة بطلانُ المقابلة التي جعلها الله بين حكمه وحكم الناس في مثل قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [المائدة: 50]، وقوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18)} [الجاثية: 18].

فقد قابل الله عز وجل بين حكمه وحكم الجاهلية، وبين شريعته وأهواء الذين لا يعلمون، ولكن هذه المقولة تقول: إن المقابلة في التحقيق لا تكون بين حكم الله وحكم الجاهلية، ولا بين الشريعة والأهواء البشرية، ولكن بين حكم بشري وحكم بشري مثله، فأي المقالتين أولى بالتصديق والقبول؟!

  • ومن هذه المآلات كذلك أن الأمة الإسلامية على مدى هذه القرون المتعاقبة لم تهتَدِ إلى حكمِ الله قطُّ، ولم تحكم بما أنزل الله قط، ولم تقْضِ إلا بالهوى الذي يُلازم النفس البشرية عندما تتعامل مع النصوص وتتحول في أيديها إلى مفاهيم وأحكام بشرية.

هذا بعض ما يترتب على هذه الدعوى من المآلات واللوازم الفاسدة، وقد يقول قائل:

  • ألا تحتاجُ المبادئ العامة التي جاءت بها الشريعة- لكي تتهيَّأ للتطبيق- إلى جُهد بشري يملأ تفاصيلها بمضمون صالح للتطبيق؟!
  • ألا يتدخل الإنسان بمعارفه البشرية في تفسير النصوص الدينية فىعطيها بهذه المعارف بُعدًا إنسانيًّا؛ الأمر الذي يجعل تفسيرها يتفاوت بين مفسِّر وآخر؟!
  • هل يمكن أن تُسمى هذه الشروح البشرية أحكامًا شرعية فتنسب التناقض إلى الشريعة ذاتها عندما تتناقض هذه الشروح؟!
  • ألا ترى أننا بهذا التحفظ نصون الدِّين نفسه من العبث ومن التناقض؟!

والجواب عن ذلك:

أن مَكمن الخلاف في هذا هو الخلطُ بين الثابت والمتغيِّر، أو بين الـمُحكَمِ والمتشابه، فكأن هؤلاء يريدون أن يُحيلوا الدِّين كله إلى متغيرات متشابهات، وإذا كانت المتشابهات لا عصمةَ لها ولا حجة فيها لطابعها البشري أصبح الدِّين كلُّه بناء على ذلك لا عصمةَ له ولا حجة فيه.

ولو هُدُوا إلى الطيب من القول لفرقوا بين الـمُحكم الذي تمثله الأدلة القاطعة، والمتشابه الذي هو في محلُّ الاجتهاد، والتزموا بالأول بلا منازعة تصديقًا به وانقيادًا له، ورجحوا من الثاني ما تُرجحه النصوص وتتحقق به المصلحة، وهذا هو المنهج الذي سار عليه أئمةُ العلم والدين على تطاول القرون.

أما القول بأن المبادئ العامة تحتاج إلى جهدٍ بشري يملأ تفاصيلها بمضمون صالحٍ للتطبيق، فإن هذا لا ينفي عن المبدأ صفةَ الإلهية، ولا يحوِّله إلى مبدأ بشري مهما طال الزمن وتطاول الأمدُ، وإنما يبقى الخيار والاجتهاد في هذه المبادئ التي لم يقُلْ أحدٌ في شيء منها بعينه أنه يُمثل الحقيقة المطلقة، وأنه عينُ حكم الله، فالمبدأ محكمٌ قطعي والوسائل ظنية اجتهاديَّة، ولا يعني تعدد الوسائل وتنوعها وتعقدها البُعدَ عن المبدأ أو تحول القضية برمتها مبدأ وتطبيقًا إلى قضية بشرية.

أرأيت إلى قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]. هل يتسنَّى لعاقل أن يقول: إن الناس قد ابتعدوا عن هذا المبدأ بقدر الابتعاد بين القتال بالسيف والرمح على أيام الرسول ﷺ وبين القتال بالصاروخ والطائرة والقنبلة في هذه الأيام؟!

أرأيت إلى قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159]. هل يصح القول بأن تطور الشورى من استشارة أبي بكر وعمر في أول الأمر إلى استشارة أهل بدر ثم إلى استشارة أهل المدينة ثم إلى تخصيص مجالس للشورى وضبطها بأنظمة عصرية يُعد بُعْدًا عن مبدأ الشورى، ويحول القضية برمتها مبدأ وتطبيقًا إلى قضيةٍ بشرية؟!

إن المحكم هو المبدأ، وهو حكمٌ إلهي لا تتطاول إليه شُبهة، وهو باقٍ ما بقيت السماوات والأرض، أما الوسائلُ فهي ظنيَّة ومتجددة وتتغير أشكالها بتغيُّر الزمان والمكان والأحوال، وإذا ثبت قصورُ صورة بعينها عن الوفاء بالحاجة وتحقيق هذا المبدأ على وجهه- تعين الاجتهادُ للبحث عن الصورة الملائمة التي تفي بالحاجة، وتتحقق بها المصلحةُ، ويحصل بها مقصودُ الشارع من هذا المبدأ.

هذا ولا يخفى أنه يُشترط لحلِّ هذه الوسيلة ألا تُعارِضَ نصًّا أو مبدأ شرعيًّا آخرَ؛ سواء من حيث إطارُها الكلي أو فىما يتعلق بتفاصيلها الجزئية؛ لأن الغاية في ديننا لا تُسوِّغُ الوسيلة كما هو مقرَّر.

أما القول بأن التناولَ البشري للنصوص يُحيلها من التنزيل إلى التأويل، ومن منطوق إلى مفهوم، فتكون المقابلة بين حكم بشري وآخر بشري مثله، ولكن يدعي العصمةَ وينتسب إلى الله- فهو قول من يخبط في الأمور بغيرِ عِلْم ولا هدى ولا كتاب منير، وهو مردود بما يلي:

أولًا: لم يدَّعِ أحدٌ من أهل العلم أن اجتهادات الفقهاء في فَهْم النصوص الظنيَّة شرعٌ محكَمٌ لا تحلُّ مخالفته، بل لا يزالون يقولون: هذا مبلغنا من العلم، وهو صواب يحتمل الخطأ، ومن جاءنا بخير منه قَبِلْنا، وينهون الناس عن تقليدهم بغيرِ علم، ويفرقون بين الشرع المحكَم الذي لا تحِلُّ مخالفته وهو ما كان موضعًا لدليل قاطعٍ وبين اجتهاداتهم في فهم النصوص الظنية، ويرفضون اعتبارها من أحكام الله، ولهم في ذلك نصوصٌ تُكتب بماء الذهب، وهي من الشيوع بحيث لا تحتاج معه إلى ذكرٍ، ولكن لا بأس من الإشارة إلى بعضها على سبيل التذكير:

يقول ابن القيم رحمه الله: «وأما الحكم المؤول فهو أقوال المجتهدين المختلفة التي لا يجب اتباعها، ولا يكفُر ولا يفسُق مَنْ خالفها، فإن أصحابها لم يقولوا: هذا حكم الله ورسوله، بل قالوا: اجتهدنا برأينا فمن شاء قَبِله ومن شاء لم يقبله، ولم يلزموا به الأُمَّة؛ قال أبو حنيفة: هذا رأيي، فمن جاءني بخير منه قبلناه. ولو كان هو عين حكم الله لما ساغ لأبي يوسف ومحمد وغيرهما مخالفتُه فيه، وكذلك مالك استشاره الرشيدُ أن يحمِلَ الناس على ما في (الموطأ) فمنعه من ذلك، وقال: قد تفرَّقَ أصحاب رسول الله في البلاد وصار عند كل قوم علمٌ غير ما عند الآخرين، وهذا الشافعي ينهى أصحابه عن تقليده ويُوصيهم بترك قوله إذا جاء الحديث بخلافِهِ، وهذا الإمام أحمد يُنكر على مَن كتب فتاواه ودوَّنها ويقول: لا تُقْلدني ولا تقلد فلانًا ولا فلانًا وخذ من حيث أخذوا، ولو علموا رضي الله عنهم أن أقوالهم يجب اتباعها لحرموا على أصحابهم مخالفتهم، ولما ساغ لأصحابهم أن يفتوا بخلافهم في شيء، ولـمَّا كان أحدهم يقول القول ثم يفتي بخلافه فىرُوى عنه في المسألة القولان والثلاثة وأكثر من ذلك، فالرأي والاجتهاد أحسن أحواله أن يسوغ اتباعه، والحكم المنزل لا يحلُّ لمسلم أن يخالفه ولا يخرج عنه»([1]).

ولم لا يكون هذا هو منهج هؤلاء الأئمة وقد نهى النبي ﷺ في الحديث الصحيح أميرَه بُريدة أن يُنزِّل عدوَّه إذا حاصرهم على حكمِ الله، وقال: «وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَـهُمْ عَلَى حُكْمِ الله فَلاَ تُنْزِلْـهُمْ عَلَى حُكْمِ الله وَلَكِنْ أَنْزِلْـهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِى أَتُصِيبُ حُكْمَ الله فِيهِمْ أَمْ لاَ»([2]).

فتأمل كيف فرَّقَ بين حكم الله وحكم الأمير المجتهد، ونهى أن يُسمي حكم المجتهدين حكم الله!

ومن هذا لما كتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t حكمًا حكم به فقال: هذا ما أرى الله أميرَ المؤمنين عمر. فقال: لا تقل هكذا، ولكن قل: هذا ما رأى أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب([3]).

ثانيًا: إن إطلاق القول على هذا النحو تعميمٌ فاحش؛ لأن نصوصَ الشريعة منها ما هو قطعيٌّ لا يحتاج إلى تأويل أو اجتهاد، وهو ناطق بحكم الله في جلاءٍ لا يحتمل اللَّبسَ، ومنها ما هو ظنيٌّ يجتهد في فهمه أهلُ العلم، ويُفتون بما انتهى إليه اجتهادهم فيه دون أن يُكسبوا آراءهم عصمةً أو قداسة، ودون أن يُنكروا على مخالفهم إنكارًا يُفضي إلى تجريحه أو القدح في ديانته.

ثالثًا: إن أهل العلم لا يزالون يؤكدون أن مَواطن الاجتهاد لا يُنكر فيها على المخالف، من عمل فيها بأحد القولين لم يُنْكر عليه ولم يُهْجَر، ومن عمل فيها بالقول الآخر لم ينكر ولم يهجر، وأن الاختلاف في الفروع رحمةٌ وتوسعة حتى إن أحد أهل العلم كتب كتابًا سماه «كتاب الاختلاف» فقال له الإمام أحمد سمه «كتاب السَّعة»([4]).

ولهذا لم يكن هَمُّ السلف أن يحسم هذا الخلاف باجتهادات موحَّدة على مستوى الأمة، بقدر ما كان اعتناؤهم بإحياء فقه الاختلاف وأدب الخلاف، وأن يتعلم الناس كيفَ يسعهم ما وسع أصحاب رسول الله ﷺ ومن جاء بعدهم من أئمة الدِّين، ومن لم يسعْهُ ما وسعهم فلا أوسع الله عليه.

ولقد طلب ثلاثة من خلفاء بني العباس من الإمام مالك رحمه الله أن يحملوا الأمَّة على كتابه «الموطأ» وأن يجمعوا كلمتها حوله فلم يُجبهم إلى ذلك، وكان ذلك- كما يقول ابن كثير- من تمام علمه واتصافه بالإنصاف، وهؤلاء الثلاثة هم: الخليفة أبو جعفر المنصور، وابنه المهدي، وحفىده هارون الرشيد.

وكان مما قاله للمنصور كما في رواية ابن عساكر: «لا تفعَلْ هذا فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث وروايات، وأخذ كل قومٍ منهم بما سبق إليهم وعملوا به ودانوا به، من اختلاف الناس وغيرهم، وإنَّ ردَّهم عما اعتقدوه شديدٌ، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم. فقال: لعمري لو طاوعني على ذلك لأمرت به»([5]).

وفي رواية ابن عبد البر أنه قال: «يا أمير المؤمنين قد رسخ في قلوب أهل كل بلد ما اعتقدوه وعملوا به، وردُّ العامة عن مثل هذا عسيرٌ»([6]).

فأين هذا كله من دعوى اكتسابِ هذه الاجتهادات عصمةً زائفةً بنسبتها إلى الوحي، واضطهاد المخالف فيها، والتثريب عليه بتكفىر أو تفسيق؟!

ولكن هذه التوسعة لا تعني أخذَ الدين بالهوى والتشهِّي، وإنما تعني أنهم فتحوا للناس بابَ الاجتهاد في هذه المسائل وسنُّوا لهم سنةَ الاختلاف فيها مع بقاء الألفة والعصمة وأُخوَّة الدين، فالمجتهد يأخذ بما أدَّاه إليه اجتهادُه، والعاميُّ في سعة أن يقلد أوثقهم عنده.

أما داهيةُ الدواهي وعجيبة العجائب فهي الزَّعم بأن مطابقةَ فهمِ الرسول ﷺ للدلالة الذاتية للنصِّ فيه تأليهٌ للنبي ﷺ، ويتضمن لونًا من الشِّرك من حيث إنه يُطابق بين الـمُطلق والنسبي وبين الثابت والمتغيِّر، وهي فرية لم يقُلْ بمثلها أحدٌ من الأولين والآخرين؛ لأن أحدًا لم يدَّعِ أن النبي ﷺ يعلَمُ مرادَ الله استقلالًا بل بما علَّمه الله وبيَّنَهُ له.

ألم يقرأ أصحاب هذه الفرية قول الله U: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)} [القيامة: 16 – 19]. {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} [النحل: 43، 44].

فالنبي ﷺ بشرٌ من البشر، ولكنه أُوحي إليه هذا القرآن، وأُمر ببيانه للناس، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فما بلغه من تنزيل القرآن فهو وحيٌ، وما بيَّنه من معانيه وحيٌ كذلك، وما خرج من لفظه ﷺ فىما يتعلق بالرسالة إلا الحقُّ، فقد أخرج الإمام أحمد في «مسنده» عن عبد الله بن عمرو قال: كنتُ أكتب كلَّ شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظَه، فنهتني قريشٌ عن ذلك، وقالوا: تكتب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الغضب والرضَا؟! فأمسكت حتى ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «اكْتُبْ! فوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ!»([7]).

فكيف يأتي اليوم تائهٌ يزعم أن النص تحوَّلَ مع قراءة النبي ﷺ له من التنزيل إلى التأويل، ومن كونه نصًّا قرآنيًّا إلى اعتباره فهمًا إنسانيًّا، ليسوي بذلك بين بيان النبي ﷺ للنصوص وبين ما استنبطه منها أهلُ العلم بعد ذلك من فتاوى وأحكام؟! أليس ذلك قدحًا في منصب الرسالة ومصادرة لها في أخصِّ خصائصها وهو البيان. اللهم غفرًا!

وما الذي يبقى من قداسة الوحي بعد ذلك، إذا كان لا عصمة لقطعيٍّ ولا لظني، ولا وثوقٌ في بيان النبيِّ صلى الله عليه وسلم للنصوص، ولا في بيان من جاء بعده من أهل العلم؟!

وما عسى أن تكون الـمحصِّلة النهائية لذلك كله إذا كان لا عصمةَ لهذا ولا لذلك إلا أن تضييع حجية النصوص وأن يضيع بضياعها الإسلامُ؟!

وأخيرًا ألا يُتوصل بذلك إلى خلعِ الرِّبقَة والتحلل من التكليف؟

فإن قال قائل: كيف تؤدي هذه المقولة إلى خلع الرِّبقة والتحلل من التكليف؟

فالجواب: أننا حين نطلق القول بالنسبية، وبأن النصَّ القرآني يتأنسَنُ مع أول اتصال له بالواقع، وأن بيان النبي ﷺ للتنزيل ليس من قبيل الوحي المعصوم، وإنما هو من جنس التأويل البشري الذي قد يُصيب حكمَ الله وقد لا يصيب، وتنفي عن أقواله ﷺ معنى العصمة، وتسوي بينه وبين من جاء بعده من العلماء والفقهاء- فإننا نصيبُ الإسلامَ في مقتل؛ لأنه لن يبقى للأمة في هذه الحالة من أصول دينها ما تتمسك به وتتحاكم إليه، ويستطيع أن يعبثَ به من شاء ويطوِّعُه من شاء إلى ما شاء وكيف شاء، ولا سبيل إلى إيقاف هذا العبث بنص قرآني؛ لأن القرآن قد تحوَّلَ من تنزيل إلى تأويل، ومن منطوق إلى مفهوم، ولا بحديث صحيح؛ لأن الحديث تأويلٌ من التأويل لا عصمة له ولا قداسة لمضمونِهِ، ولا بإجماع صريح؛ لأنه إذا لم تكن العصمة للنصِّ الصحيح فأولى ألا تكون لإجماعٍ ولا لغيره، فينفلت الأمرُ وتتزعزع الثوابت وتمد الأسبابُ للزنادقة وعبَدةِ الأهواء يقوضون الإسلام ويأتون على بنيانه من القواعد.

اللهم اهْدِ قومي فإنهم لا يعلمون. والله تعالى أعلى وأعلم.

_____________________

([1]) «الروح» ص266.

([2]) أخرجه مسلم في كتاب «الجهاد والسير» باب «تأمير الإمام الأمراء على البعوث» حديث (1731) من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه.

([3]) راجع: «أعلام الموقعين» لابن القيم: 1/39.

([4]) انظر «طبقات الحنابلة» (1/111) ترجمة: إسحاق بن بهلول الأنباري.

([5]) «كشف الغطاء» لابن عساكر: 47.

([6]) المرجع السابق: 47، و«الانتقاء» لابن عبد البر: 41.

([7]) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/162) حديث (6510).

تاريخ النشر : 03 أكتوبر, 2018
التصنيفات الموضوعية:   09 آداب العلم وطرق تحصيله

فتاوى ذات صلة: