حول قاعدة «لا عبرة بالجهل في الأحكام في دار الإسلام»

السؤال:

فضيلة الشيخ، سمعت وقرأت على بعض المواقع بعض العلماء يقولون بقاعدة «لا عبرة بالجهل في الأحكام في دار الإسلام». فما مدى صحة هذه القاعدة؟ وهل هي عامة في الأمور المعلومة من الدِّين بالضرورة وغيرها من دقائق المسائل التي تخفى على السواد الأعظم من المسلمين؟ وأضرب لكم أمثلة:

١- كثيرٌ من المسلمين لا يعلمون الكثير عن أحكام البيوع كبيع الكلب والهرة والتُّحَف التي على شكل تماثيل من الحيوانات والطيور؛ وذلك لقلة من يتعرض لشرح هذه البيوع للمسلمين، فهل أموالهم هذه التي اكتسبوها من هذا البيع حرام حالَ جهلهم بالحكم؟

٢- كثيرٌ من المسلمين- أو قُل السواد الأعظم منهم- لا يعلم أن للطلاق ألفاظًا أخرى غير اللفظ الصريح، وفي بعض حالات الغضب من الزوجة يتلفظ بكنايات الطلاق التي تعبر عن غضبه مثل «روحي عند أهلك، متلزمينيش، روحي مع السلامة». ويكون العزم على إيقاع الطلاق موجودًا في نفسه حال تلفظه بهذه الألفاظ، لكن هو لا يعتبر ذلك طلاقًا طالما أنه لم يتلفظ باللفظ الصريح المتعارف عليه، بالإضافة إلى أنه لا يعلم أن لإيقاع الطلاق ألفاظًا أخرى، وذلك أيضًا لقلة من يُعلِّم الناس هذه الأمور، وأنا على سبيل المثال بلغت من العمر ٢٨ عامًا ومع ذلك لم أسمع طيلة حياتي شيخًا واحدًا في بلدنا تعرَّضَ لهذا الأمر، ولم أعلمه إلا حينما طالعت بعض الدروس على شبكة الإنترنت، فهل يقع عليهم الطلاق بسبب ذلك وهم يجهلون أن هذه الألفاظ في هذه الحال توقع الطلاق؟

٣- الكثير من النساء لا يعلمْنَ أن دم النفاس من الممكن أن ينقطع قبل ٤٠ يومًا، وربما تطهُرُ منه بعد أسبوعين من الولادة، ومع ذلك عندها اعتقاد أنه لا بد أن تنتظر ٤٠ يومًا ثم تغتسل وتصلي وتصوم أيضًا؛ لعدم أو لقلة الحديث في مثل هذه الأمور من أئمة المساجد ومن النساء أيضًا، حتى صارت من الأمور التي يجهلها عوام النساء وعمت البلوى بجهلها، فما مصير الصلوات التي تَرَكْنَهَا بعدما طَهُرْنَ قبل الأربعين وربما كان هناك صيام، والأمر في الصلاة أشد؛ لأن الصلاة لا تُقْضى بعد الحيض والنِّفاس، أما الصيام فستقضيه؟ فهل هؤلاء لا يُعذَرْنَ؟

شيخي الفاضل، هذه أمثلة وغيرها كثير يندى له الجبين من جهل الكثير من المسلمين بأمور دينهم، فهل يصح تطبيق القاعدة السابقة عليهم وحالهم كذلك؟ ولو تكرَّمْتم أرجو منكم الإجابة على الأمثلة السابقة؛ لأنها تمس شريحة عريضة في مجتمعي الذي أعيش فيه حتى أبينه للناس، وجزاكم الله خيرًا.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فإن الذي لا عُذْرَ فيه بالجهل بإطلاق هو أصْلُ الدِّين، وهو الإقرار المجمل بالتوحيد والرسالة، والبراءة المجملة من الشِّرك، أما ما وراء ذلك فهو يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، والناس في ذلك ليسوا سواء، والمسائل كذلك ليست سواء، والمجتمعات في ذلك ليست سواء.

والأصل في اعتبار عارض الجهل أن حكم الخطاب لا يثبت  في حق المكلف إلا إذا بلغه، على الأظهر من أقوال العلماء، وذلك لقوله تعالى: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19]، وقوله: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165]، ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عُمرَ وعمارًا لما أجنبا، فلم يصلِّ عمر وصلى عمار بعد أن تمرَّغَ بالتراب- أن يُعيد واحد منهما([1]). وكذلك لم يأمر من استمر في الصلاة إلى بيت المقدس، ولم يبلغْهُ تحوُّلُ القبلة بالقضاء حين بلغه خبرُ التحول([2]). ومهاجرة الحبشة مكثوا فيها حتى العام السابع من الهجرة، وكان خبر التكاليف يصل بعد فرضها بأسابيع، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من الإعادة، والأمثلة على ذلك كثيرة.

أما الأمثلة التي ذكرْتَ فنجيبك عنها على الترتيب:

بالنسبة للمكاسب التي ترتَّبَتْ على بيع بعض المحرمات، ولم يكن أصحابها يدرون عن تحريمها شيئًا فقد مضت، ولا يُطالب أصحابها بالتخلُّصِ منها، اللهم إلا ما كان من ذلك على سبيل الاحتياط والورع، فقد قال تعالى في الربا- وجُرْمه أعظم من كل ما ذكرت: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 275].

وبالنسبة لمن لا يعرفون عن الطلاق إلا الطلاق الصريح، فإن كناياتهم لا تُعتبر؛ لأن الشرط لوقوع الطلاق الكنائي النية، والنية تتبع العلم، فمن كان يجهل وقوع الطلاق بهذا الطريق فلا يحتسب عليه، إذ لا يتصور أن تتجه نيته إليه، ويكون قوله هذا من جنس الوعيد بالطلاق أو التهديد به.

وبالنسبة لمن ظلت بعد نفاسها مدة طويلة لا تصلي فأرى قضاء صلاة هذه المدة؛ لخصوصية الصلاة من حيث منزلتها من الدين، فالاحتياط قضاؤها.

وبدلًا من أن ننشغل بالخلاف حول العذر بالجهل، فلنشتغل جميعًا بإزالة هذه الجهالة والتكاتف لاستفاضة البلاغ بحقائق الإسلام عقائدَ وشرائع، فلنشتعل بتعليم الناس بدلًا من الاشتغال بالحكم عليهم، وما ذكرتُهُ لك هو اجتهاد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقد تابع فيه كثيرًا من أهل العلم من قبله، وتابعه عليه كثيرٌ من أهل العلم كذلك من بعده.

وبطبيعة الحال توجد في المسائل الاجتهادية آراء أخرى، فانظر لنفسك، فقد بذلْتُ لك ما عندي، بارك الله فيك. والله تعالى أعلى وأعلم.

____________________

([1]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «التيمم» باب «التيمم ضربة» حديث (347)، ومسلم في كتاب «الحيض»  باب «التيمم» حديث (368)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

([2]) ففي الحديث الذي أخرجه مسلم في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب «تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة» حديث (525) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ستةَ عشر شهرًا حتى نزلت الآية التي في البقرة، {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144]. فنزلت بعدما صلى النبي صلى الله عليه وسلم، فانطلق رجل من القوم فمَرَّ بناس من الأنصار وهم يصلون فحدثهم؛ فولَّوْا وجوههم قِبَلَ البيت.

تاريخ النشر : 03 أكتوبر, 2018
التصنيفات الموضوعية:   09 آداب العلم وطرق تحصيله

فتاوى ذات صلة: