بين ما فعله إخوان تونس تجاه الشريعة وما فعله حزب النور في مصر للحفاظ عليها، وتخوين الإخوان للحزب وسبهم لرؤسائه

ما التعليق على ما فعله إخوان تونس بتنحية الشريعة وعدم ذكرها لا من قريب ولا بعيد في الدستور؟ وبرر ذلك الشيخ الغنوشي بقوله: الشريعة تفرقنا والإسلام يجمعنا؟
ولم عابوا على حزب النور تقديم مصلحة البلاد على الحفاظ على الحاكم، وهم قدموا هذا على الشريعة كلها بعدم ذكرها في الدستور، وهم الحزب الحاكم، وحزب النور قلَّة بعد الانقلاب، ومع ذلك حافظ على ما استطاع الحفاظ عليه ببقاء المبادئ وتفسيرها بجملة تفسيرات المحكمة الدستورية والتي عند قراءتها تعني تطبيق الشريعة؟
ما التعليق على التنفير من حزب النور واتهامه بالخيانة وبيع الدين وتشبيه الشيخ ياسر برهامي بتواضروس وكتابة ذلك على الحيطان، وشيوع عدم تأييدهم في انتخابات مجلس الشعب والتنفير منهم مع كونهم المنافحين الوحيدين عن الشريعة سياسةً؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
أما ملابسات الموقف التونسي فلا علم لنا بها على وجه التفصيل، وربما أحاط بهم من المخاطر ما قدروا معها إن ما فعلوه هو أقلَّ المفسدتين، فيعذرون بذلك، وقد يقول قائل منهم: لقد تفادينا بذلك تكرارَ المحرقة المصرية على الأقل فيما يظهر. وحسابهم على الله.
أما الموقف من حزب النور فقد أعلناه من البداية: التخطئة شيء، والتخوين والتكفير والاتهام بالعمالة شيء آخر، لقد أعلنا ولا نزال تحفظَّنَا على موقف حزب النور من الأزمة، وأعلنا ولا نزال تحفظَّنَا على هذه الحرب الضروس التي يشنها كل من الفريقين على الآخر، والتي لن يستفيد منها إلا العلمانيون وخصوم الشريعة، والتي يرجع جزءٌ كبير منها إلى التراكمات النفسية السلبية المختزنة في ذاكرة الفريقين منذ أمد بعيد.
كنت أرجو أن يبادر أحد الطرفين إلى إطفاء هذه الحرائق، وأن يكتفي بأن يقول لمن معه ما قاله علي بن أبي طالب فيمن هم أسوء من الفريقين: «إخوانكم بغوا عليكم، ولكن جرى القلم بما هو كائن».
وسيفيق كل من الفريقين على كارثة ما لم تتداركهم رحمة من الله عز وجل، وإنني لأشم رائحة الدَّبُور من وراء الأفق، وسيقول أبناؤنا: لم يحافظ آباؤنا على الحلم، (ما قضينا ساعة في عرسه، وقضينا العمر في مأتمه)، وأسلمونا لمحارق ومهالك كان يمكن تفاديها، وقدموا كراماتنا وآمالنا قربانًا على محرقة الأهواء والآراء.
أما الذين تخوضوا في الدماء وعربدوا في استباحة الحرمات فلا أجد لهم إلا كلمة شوقي في رثائه لعمر المختار:
يا ويحهم نصبوا منارًا من دم
يوحي إلى جيل الغد البغضاء(1)
هذا. ولا أنفع من خَزنِ اللسان عن التخوُّض في هذه الفتنة، فمن لم يستطع أن يُطفئ سعيرها، فلا يشارك في زيادته، وعدل منه كل ما صنع.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه. اللهم اجمع على الحق كلمة أوليائك، اللهم أصلح ذات بينهم، اللهم ألف بين قلوبهم، اللهم أطفئ عنهم نارَ من أشبَّ لهم ناره، اللهم رُدَّ لهم الكرة على عدوك وعدوهم، اللهم لا تشمت بنا الأعداء، ولا تجعلنا مع القوم الظالمين، اللهم آمين. والله تعالى أعلى وأعلم.
——————————-
(1) البيت لأمير الشعراء أحمد شوقي؛ وهو من بحر الكامل.
تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   05 السياسية الشرعية

فتاوى ذات صلة: