الاستدلال بضرورة حفظ الدين على وجوب التظاهر ضد الانقلاب العسكري في مصر

السؤال:

ما قولكم في الاستدلال بمقاصد الشريعة وضرورة حفظ الدين على وجوب التظاهر، وإنهاك مؤسسات الدولة- كالاقتصاد مثلًا- حتى يسقط ما يُسمَّى بدولة العسكر أو الدولة العميقة، فينشئ الإسلاميون دولةً من جديد بعد تطهيرها من الظلمة والفاسدين؟

كنت أناقش بعضهم فقال لي: إن الحرب أصبحت على الدين واضحةً، ويجب على كل مسلم النزولُ للشارع لقول الحقِّ في وجه السلطان الجائر والخروج عليه. فقلت له: ولو حدثتْ مفاسد أكبر من إزهاق الآلاف من الأرواح التي يحتاجها العمل الإسلامي؟! فقال: نعم، إن حدث ذلك فنحتسبهم شهداء. ثم قال: إن أولَ مقاصد الشرع حفظُ الدين، ويسبق مقصدَيْ حفظ النفس والمال، وأنت ترى الحرب على الإسلام. واستدل بأحداث كقتل المسلمين، واعتقال الآلاف، وقراءة الإنجيل في المدارس، وغلق المساجد بعد الصلوات، وغير ذلك.

ثم تابع فقال: حفظ الدِّين مقدَّم على النفس، فإذن وجب على المسلمين النزولُ لحفظ الدين، واستدلَّ بذلك أيضًا على إنهاك اقتصاد الدولة، علمًا بأن هذه الأحداث رغم حدوثها إلا أن متَّخِذَ القرار يراها حالةً مؤقتة للتضييق على خصومه السياسيين، وقراءة آيات من الإنجيل كان حادثًا فرديًّا في إحدى المدارس بتوجيه من مدير المدرسة وليس بقرار من الدولة، والاعتقالات تكون نتيجة للتصعيد السياسي كدخول المظاهرات ساحات الجامعات أو قطع الطريق أو تقرير أن للمتظاهرين حقَّ الدفاع عن أنفسهم، وبذلك يحقُّ لهم حرق سيارات الشرطة، وإلقاء الحجارة على أفراد الشرطة، وتمزيق لافتات الدعاية للدستور مثلًا، وليس مقصدي الدفاع عمن في السلطة أو تبرئة الظالم أو القاتل، ولكن طالما هناك طرفٌ بيده القوة فهو يرى أن الاعتقالات والقتل والتضييق ما هي إلا خطوة تصعيدية في مواجهة خصمه السياسي، فلماذا نُعطيه الفرصة لذلك؟

وسؤال آخر: هل لنا أن نستدلَّ بمقاصد الشرع كأساس لإصدار الحكم كما في المثال بعيدًا عن الأدلة الشرعية؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فإن النَّظر في المقاصد واعتبارها عند استنباط الأحكام مما لا غنى للفقيه المتمكِّن منه، لاسيما في أزمنة الفتن وغُربة الدين، حيث تتزاحم المصالح والمفاسد في المناط الواحد، وتكون العبرة لما غلب.

وفي كل ما ذكرت أيها الموفق تتزاحم المصالح والمفاسد، فيدقُّ النظر، وتكون وعرةَ المسالك، ومن هنا كان هذا الموضع وأشباهه مزلةَ أقدام ومدحضةَ أفهام.

ومن وسائل النظر والترجيح في مثل ذلك تقويمُ ذات المصلحة أو المفسدة، وبيان ترتيبها في مقاصد الشريعة الخمسة: حفظ الدين والنفس والعقل والعِرْض أو النسل والمال. فيقدم المقدم، ويؤخر المؤخر على هذا الترتيب، فإذا تزاحم الوقت على إنسان، وأوقف بين أن يُنقذ مسلمًا من الهلاك المحقق، أو ينقذ امرأة من الاغتصاب، وكِلا الأمرين في مقدوره- وجب عليه أن ينقذ النفس. وإذا تعارض كشفُ العورة للطبيب مع الخوف على فوات النفس أو ما دونها من الأعضاء- ارتكبت مفسدة كشف العورة لمصلحة حفظ النفس أو العضو، وذلك لكون كشف العورة من حفظ العرض، وعلاج المرض المذهب للنفس من مقصد حفظ النفس وهو مقدم على حفظ العرض.

ومن وسائل الترجيح كذلك معرفةُ درجات تحقيق هذه المقاصد، فالضروريات تُقدَّم على الحاجيات، والحاجيات تقدم على التحسينات، ومعرفة درجات تحقيقها في المقاصد المختلفة، فالضروري لحفظ النفس يقدم على الحاجي لحفظ الدِّين مثلًا، ولهذا أباح الشارع أكلَ الميتة ونحوها من المحرمات عند ضرورة إنقاذ النفس أو دفع الهلاك عنها، لأن النهي عن تناول الميتة أمرٌ حاجي، وإنقاذ النفس ودفع الهلاك عنها أمر ضروري، والضروري مقدم على الحاجي. كما أباح الشارع تركَ الوضوء أو الغسل إلى التيمم إذا ترتب على استعمال الماء حدوثُ مرض أو زيادته؛ لأن المحافظة على النفس ودفع المرض عنها أمر ضروري، والوضوء أو الغسل أمر تحسينيٌّ والضروري مقدم على التحسيني، وهكذا.

ولا شك أن هذه التصعيدات ما لم تُفْضِ إلى مصالحَ راجحةٍ كانت مفاسد محضة، فلا يقدم على مثلها عاقلٌ.

وبقي أن نعرف أن هذه المسائل بطبيعتها حمَّالة ذات أوجه، وأنها من كبار مسائل الفقه وحقائقه وأغواره، فينبغي أن تُحالَ إلى الراسخين في العلم ليقولوا فيها كلمتهم، ولا ينبغي أن تُترك للعامة وأشباه العامة، وما لم يتفق العمل الإسلامي على مرجعية شرعية يحيل إليها النظر في هذه الأمور ستظل هذه الأوجاع متجددة ومتكررة. والله تعالى أعلى وأعلم.

تاريخ النشر : 27 سبتمبر, 2018
التصنيفات الموضوعية:   05 السياسية الشرعية

فتاوى ذات صلة: