ما ورد من أحاديث في شهر رجب الحرام

أظلنا شهر رجب، ويشيع على ألسنة الناس وفي مواقع التواصل الاجتماعي أحاديث عن فضل التهنئة به وفضل صيامه وقيامه والاحتفال بأوله ومنتصفه وليلة السابع والعشرين منه، فما هو القول الفصل في ذلك كله أفتونا مأجورين.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن لشهر رجب مكانةً عند الله تبارك وتعالى، فهو أحد الأشهر الحرم التي خصَّها الله بالذكر في كتابه، ونهى الناس عن الظلم فيها، وقد سميت بالحرم لتحريم القتال فيها إلا أن يبدأ العدو.
لذا يُسمى هذا الشهر: رجب الأصم لأنه لا يُنادى فيه يا قوماه، أو لأنه لا يُسمع فيه صوت السلاح، ولأن تحريم انتهاك المحارم في هذه الأشهر أشدُّ من غيرها، قال قتادة: اعلموا أن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء.
ولكن هذا لا يعني جوازَ تخصيص هذا الشهر بعبادة معينة دون غيره من الشهور؛ لأن العبادات توقيفية، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيءٌ من ذلك.
يقول الحافظ ابن حجر: «لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه- حديث صحيح يصلح للحجة»(1).
وقال ابن القيم: «كل حديث في ذكر صوم رجب وصلاة بعض الليالي فيه فهو كذب مفترى»(2). اهـ.
ومما أحدثه الناس في هذا الشهر ما يُشِيعونه من أن من هنَّأ أخاه بهذا الشهر غُفر له ما تقدم من ذنبه. وتخصيصه بإخراج زكوات أموالهم، أو أداء العمرة فيه، أو صيام أوله، أو قيام ليلة أول جمعة فيه، وتخصيصها بصلاة الرغائب، أو تقديم ذبيحة فيه، أو الاحتفال بليلة السابع والعشرين منه لما يرونه من وقوع حادثة الإسراء والمعراج فيها، وسوف نعرج على هذا كله بشيء من البيان بما يتسع له المقام:
• أما ما يشاع مما ينسبونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: من أن من هنَّأ أخاه بهذا الشهر الفضيل أُعتق من النار أو غفرت له ذنوبه- فهو كذبٌ مفترى، ولا أصل له في كتب السنة المطهرة.
• وأما تخصيصه بإخراج زكوات أموالهم- فلا أصل له كذلك في السنة المطهرة، بل لكل أحد حولُه بحسب وقت ملكه للنصاب، سواء كان رجبًا أو غيره. وقد قال ابن رجب رحمه الله في ذلك: «وأما الزكاة فقد اعتاد أهل هذه البلاد- يعني دمشق- إخراجُها في شهر رجب، ولا أصل لذلك في السُنَّة، ولا عُرِف عن أحد من السلف. وبكل حال: فإنما تجبُ الزكاة إذا تمَّ الحول على النصاب، فكل أحدٍ له حولٌ يخصُّه بحسب وقت مِلكِه للنصاب، فإذا تمَّ حوله وجب عليه إخراج زكاته في أي شهر كان»(3).
نعم يجوز تعجيل إخراج الزكاة لاغتنام زمان فاضل كرمضان، أو لاغتنام الصدقة على من لا يوجد مثله في الحاجة عند تمام الحول. ونحو ذلك.
• وأما تخصيصه بالعمرة فيه اعتقادًا أن للعمرة فيه مزيدَ مزيَّة- فهذا لا أصل له، فقد كانت جميع عمرات النبي صلى الله عليه وسلم في أشهر الحج (في ذي القعدة). روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن رسول الله اعتمر أربع عمرات: إحداهن في رجب. قالت (أي عائشة): يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهِدُه، وما اعتمر في رجب قط(4).
وهب أن إحدى عمراته صلى الله عليه وسلم وقعت في هذا الشهر فليس هناك دليل على أنه تقصَّد ذلك لخصوصية في هذا الشهر، ومن ادعى قصد النبيِّ صلى الله عليه وسلم رجبًا بهذه العمرة فعليه الدليل، ولو كان ذلك لداوم عليه بفعله، أو لنَصَّ عليه بقوله صلى الله عليه وسلم.
• وأما تخصيصه بشيء من الصيام فلم يصحَّ في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه كما قال ابن رجب رحمه الله.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما صوم رجب بخصوصه: فأحاديثه كلها ضعيفة، بل موضوعة، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات. وقد صح أن عمر بن الخطاب كان يضرب أيدي الناس؛ ليضعوا أيديهم في الطعام في رجب، ويقول: لا تشبهوه برمضان»(5).
ولا يعني هذا أنه لا يُصام فيه التطوُّع الذي يُصام في غيره من سائر الشهور، مما وردت النصوص عامة فيه وفي غيره، كالإثنين، والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، وصيام يوم وإفطار آخر، وإنما يُكره تخصيصه بذلك، أو اعتقاد أن الصومَ فيه مخصوصٌ بفضل ثواب على صيام سائر الشهور، وأنه جارٍ مجرى عاشوراء، وفضل آخر الليل على أوله في الصلاة ونحوه.
• أما تخصيصه بما يسمى صلاة الرغائب فلم يثبت في صلاة الرغائب حديثٌ، بل ما ورد فيها فهو كذب على الرسول صلى الله عليه وسلم، قد وُضع في القرن الخامس الهجري ؛ فلم يكن حديثها، ولا صفتها معروفين في القرون الثلاثة المفضلة.
ولفظ ما ورد فيها من حديث موضوع: ((رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي، وما من أحد يصوم يوم الخميس أول خميس في رجب، ثم يصلي فيما بين العشاء والعَتَمة- يعني ليلة الجمعة- ثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، و«إنا أنزلناه في ليلة القدر» ثلاث مرات، و«قل هو الله أحد» اثنتي عشرة مرة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة، فإذا فرغ من صلاته صلى عليَّ سبعين مرة، ثم يدعو بما شاء، والذي نفسي بيده، ما من عبد ولا أَمَة صلى هذه الصلاة إلا غفر الله له جميع ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر، وعدد الرمل، ووزن الجبال، وورق الأشجار، ويشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته ممن قد استوجب النار)).
قال النووي: «هي بدعة قبيحة منكرة أشدَّ إنكار، مشتملة على منكرات، فيتعين تركُها والإعراض عنها، وإنكارها على فاعلها»(6).
وقال ابن النحاس: «وهي بدعة، الحديث الوارد فيها موضوع باتفاق المحدثين»(7).
وقال ابن رجب في بيان بدعيتها: «فأما الصلاة فلم يصحَّ في شهر رجب صلاة مخصوصة تختصُّ به، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذبٌ وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء»(8).
ومثل ذلك ما روي في صلاة النصف من رجب: فقد روي فيها حديث مرفوع عن أنس بن مالك بلفظ: ((من صلَّى ليلةَ النصف من رجب، أربع عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة «الحمد» مرة، و«قل هو الله أحد» إحدى عشرة مرة، و«قل أعوذ برب الناس» ثلاث مرات، فإذا فرغ من صلاته صلى عليَّ عشر مرات، ثم يسبح الله ويحمده ويكبره ويهلله ثلاثين مرة- بعث الله إليه ألف ملك، يكتبون له الحسنات، ويغرسون له الأشجار في الفردوس، ومُحي عنه كلُّ ذنب أصابه إلى تلك الليلة، ولم يكتب عليه إلا مثلها من القابل، ويكتب له بكل حرف قرأ في هذه الصلاة سبعمائة حسنة، وبني له بكل ركوع وسجود عشرة قصور في الجنة من زبرجد أخضر، وأعطي بكل ركعة عُشر مدائن الجنة وملك يضع يده بين كتفيه فيقول له: استأنف العمل، فقد غفر لك ما تقدم من ذنبك)).
قال اللكنوي في «الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة»: «أخرجه الجوزقاني، وقال ابن الجوزي والسيوطي وابن عراق وغيرهم: موضوع، ورواته مجاهيل»(9).
ومن علامات الوضع في الحديث التي نصَّ عليها أهل العلم: الإفراطُ في الوعيد الشديد على الأمر الصغير، أو الوعد العظيم على العمل القليل، نحو: ((من صلى ركعتين فله سبعون ألف دار، في كل دار سبعون ألف بيت، في كل بيت سبعون ألف سرير، على كل سرير سبعون ألف جارية)).
بل أحاديث هذا النسق كلها تُعَدُّ موضوعةً سواء كانت في باب الثواب أو باب العقاب.
• وأما تخصيصُه بعبادة معينة ليلة السابع والعشرين تأسيسًا على أنها ليلة الإسراء والمعراج فيرد عليه أمران:
أولهما: أنه لم يثبت أن الإسراء والمعراج كان في هذه الليلة، بل ولا في هذا الشهر ابتداءً، فلم يقُم دليل معلوم لا على شهرها، ولا على عُشرها، ولا على عينها، بل النُّقول في ذلك منقطعةٌ مختلفة، ليس فيها ما يقطع به كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
ثانيًا: أنه لو ثبت تعيينُ ليلةِ الإسراء والمعراج- لما شُرع لأحد تخصيصها بشيء لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من صحابته أو التابعين لهم بإحسان، لأن العبادات توقيفيةٌ ينبغي الوقوف فيها على ما وردت به الأدلة الشرعية الخاصة، ولم يرد في تخصيصها بعبادة معينة أو باحتفال معين شيءٌ عمَّن يُنقل عنهم العلمُ في القرون الثلاثة المفضلة.
• أما تخصيص هذا الشهر بالذبح تحت مسمى العتيرة فهذا من مواضع النظر عند أهل العلم، والجمهور على أنه منسوخٌ بحديث: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَة»(10). وهذا قول الجمهور من الحنفية(11) والمالكية(12) والحنابلة(13). ومن ذهب إلى القول الآخر فلا ينكر عليه اعتبارًا لخلاف الشافعي رحمه الله(14) في ذلك.
وأسأل الله أن يوفق أهل الإسلام إلى الاتباع، وأن يجنبهم زلل الابتداع. والله تعالى أعلى وأعلم.
—————————-
(1) «تبيين العجب بما ورد في فضل رجب».
(2) «المنار المنيف» ص96.
(3) «لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف» ص130.
(4) أخرجه البخاري في كتاب «الحج» باب «كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم» حديث (1776).
(5) «مجموع الفتاوى» (25/290).
(6) اللكنوي في «الآثار المرفوعة» ص70 وعزاه للنووي في «الإيضاح والبيان».
(7)
(8) «لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف» ص130.
(9) «الآثار المرفوعة» ص60.
(10) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «العقيقة» باب «الفرع» حديث (5473)، ومسلم في كتاب «الأضاحي» باب «الفرع والعتيرة» حديث (1976) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(11) جاء في «البناية شرح الهداية» (12/9) من كتب الحنفية: «(والعتيرة منسوخة) ش: هذا جواب عن قولهم: وصار كالعتيرة، يعني: أنها لما كانت منسوخة لا يلزم من عدم وجوبها عدم وجوب ما ليس منسوخا».
وجاء في «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع» من كتب الحنفية (5/ 62): «وروي عنه- عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «على أهل كل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة» و«على» كلمة إيجاب، ثم نسخت العتيرة فثبتت الأضحاة».
(12) جاء في «مواهب الجليل في شرح مختصر خليل» (3/ 248) من كتب المالكية: «قال مالك: العتيرة: شاة كانت تذبح في رجب يتبررون بها كانت في الجاهلية، وقد كانت في الإسلام، ولكن ليس الناس عليها قال ابن رشد: قول مالك إن العتيرة هي الرجبية الشاة التي كانت تذبح في الجاهلية، وقد كانت في الإسلام في رجب على سبيل التبرر، وإنها قد كانت في الإسلام يريد معمولا بها كالضحايا فروى عن النبي- صلى الله عليه وسلم- روي عنه «أنه قال بعرفة: يا أيها الناس إن على كل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة هل تدرون ما العتيرة قال الراوي للحديث محبب بن سليم: فلا أدري ما كان من ردهم عليه قال: هي التي يقول الناس الرجبية» وقوله ولكن ليس الناس عليها يريد أنها نسخت بما روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم- من قوله «لا فرع، ولا عتيرة».
(13) جاء في «كشاف القناع» من كتب الحنابلة (3/ 31): «(ولا تسن الفرعة) بفتح الفاء والراء وتسمى أيضا الفرع (وهي ذبح أول ولد الناقة) كانوا في الجاهلية يأكلون لحمه ويلقون جلده على شجرة (ولا العتيرة وهي ذبيحة رجب) أي : شاة كانت العرب تذبحها في العشر الأول من رجب لطواغيتهم وأصنامهم ويأكلون لحمها ويلقون جلدها على شجرة قاله في المستوعب، لحديث أبي هريرة لا فرع ولا عتيرة متفق عليه وأما حديث عائشة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرعة من كل خمسين واحدةقال ابن المنذر حديث ثابت فهو منسوخ، لتأخر إسلام أبي هريرة فإنه كان في فتح خيبر في السنة السابعة من الهجرة ؛ ولأن الفرع والعتيرة كان فعلهما أمرا متقدما على الإسلام فالظاهر بقاؤهم عليه إلى حين نسخه واستمرار النسخ من غير رفع له».
(14) جاء في «المجموع شرح المهذب» (8/445): «قال الشافعي والعتيرة هي الرجبية وهي ذبيحة كانت الجاهلية يتبررون بها في رجب فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا عتيرة) أي لا عتيرة واجبة قال (وقوله) صلى الله عليه وسلم (اذبحوا لله في أي وقت كان) أي اذبحوا إن شئتم واجعلوا الذبح لله في أي شهر كان لا أنها في رجب دون غيره من الشهر هذا آخر كلام الشافعي (وذكر ابن كج والدارمي وغيرهما الفرع والعتيرة لا يستحبان وهل يكرهان فيه وجهان أحدهما: يكرهان للحديث الأول (لا فرع ولا عتيرة) (والثاني) لا يكرهان للاحاديث السابقة بالترخيص فيهما».

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   02 الحديث الشريف وعلومه, 05 الصيام

فتاوى ذات صلة: