حول الأمركة والاستغراب

يتساءل كثير من المتابعين للعمل الدعوي حول طول الإقامة في الغرب وما قد ينشأ عنه من أَمرَكة أو استغراب، وما قد يُفضي إليه من خلط في مفاهيم الولاء والبراء، واهتزاز كثير من الثوابت الدينية، وسعي إلى الاندماج في هذا العالم الجديد مهما كان الثمن، ومهما كانت التضحيات.
فهل بلورتم جملة من المعالم يمكن أن يستهدي بها المقيمون في الغرب للمحافظة على الهوية من ناحية، وتحويل وجودهم إلى وجود فاعل مثمر من ناحية أخرى.
لا أُخفي عليكم نحن في قلق وفي توجس دائم، وقد رأينا من بعض المغتربين ما يؤكد هذه الهواجس.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فلقلقك ما يسوغه في الجملة، ففي زمن يموج بالفتن، وفي مجتمعات لا تدين بالإسلام ينبغي أن يخشى كل عاقل على نفسه، وأن يتلمس أسباب السلامة ما استطاع، والسعيد من وُعظ بغيره، ومن هنا كان مناط مشروعية الإقامة في هذه البلاد القدرةَ على إظهار الدين، والأمن من الفتنة فيه.
ولإخوانك هنا جهود طيبة في المحافظة على الهوية، وفي ترسيم معالم وجود أهل الدين في هذه المجتمعات، وقد عقدت لذلك مؤتمرات وندوات ودورات تدريبية، حضرها وجوه أهل العلم وأهل الفتوى، لبحث جدلية العلاقة بين الولاء الديني والانتماء القومي، وانتهت إلى تحرير جملة من المعالم التي تحقق هذا التوازن بين المحافظة على الهوية، والخصوصيات الحضارية والاندماج الواعي الإيجابي في هذه المجتمعات بما لا يخدش الثوابت الدينية.
وصفوة القول أن تحقيق هذا التوازن المنشود بين المحافظة على الهوية الإسلامية، والولاء الديني الذي يؤلف بين جماعة المسلمين من ناحية، مع التكيف الإيجابي أو الاندماج الواعي مع هذه المجتمعات، بما لا يخدش ثوابتنا الإسلامية، وخصوصيتنا الحضارية، من ناحية أخرى، إنما يتحقق من خلال المبادئ الآتية:
• الولاء الديني الذي يجمع بين أهل القبلة يقتضي محبةَ أهل الدين، ونصرتهم فيه، والبراءة ممن يعادونهم فيه، وعدم مشايعتهم على ذلك بقول أو عمل، وهذا القدر مشترك ديني وبشري عام، تتَّفق عليه الملل والنحل جميعًا، لا ينبغي أن يختلف فيه ولا أن يختلف عليه.
• الأصل في كلمة الأخوَّة عند إطلاقها أن تنصرف إلى أخوة الدين، ولكن أخوَّة الدين لا تنفي ما عداها من أخوَّة النسب أو أخوَّة القبائل والعشائر، أو الأوطان، ولا تتنكر لما ينشأ عنها من حقوق وتبعات، ما لم تُفضِ إلى إبطال حق أو إحقاق باطل، فللأخوَّة دوائر متداخلة وليست متقاطعة، وعلى قمتها أخوَّة الدين، ولكل مستوى منها حقوق وعليه واجبات أقرها الإسلام.
• محبَّة أهل الدين محبة دينية لا تنفي ما تُنشئه الصلات الاجتماعية والمصالح البشرية من مودة وتحابٍّ، ما لم يتضمن مشايعة على باطل، أو انتقاصًا من حق.
• المناصرة بين أهل الملة لا تنفي ما تُنشئه الأحلاف والمواثيق المشروعة بين بني البشر عامَّة من نصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، وإن كان من غير المسلمين، والضرب على يد الظالم ومنعه من الظلم، وإن كان من المسلمين، لعموم مبدأ التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان.
• البراءة من خصومِ الدين الحق، وعدم مشايعتهم في عدوانهم على الدين، يمتدُّ ليشمل البراءة من كل الظالمين والمعتدين، وإن انتسبوا إلى جماعة المسلمين، فإن الظلم ظلمات في الدنيا والآخرة(1).
• الانتماء الوطني أو القومي مشروعٌ، ما لم يتحوَّل إلى معقدٍ من معاقد الولاء والبراء، والفخر بالألوان والأجناس واتخاذه ذريعةً إلى الطعن في الآخرين حمية جاهلية، وقد جعل الله عباده شعوبًا وقبائل ليتعارفوا، لا ليبغي بعضهم على بعض، ولا ليفخر بعضهم على بعض، وأكرم الناس عند الله أتقاهم(2)، وهو بهذا المعنى لا يتعارض مع الولاء الديني، ولا يتنافى مع مقتضياته.
• المدخل إلى الانتماء الوطني في واقعنا المعاصر لمن لم يكن من المواطنين ابتداءً هو التجنُّس، ولا حرج فيه إذا اتُّخِذ سبيلًا لترتيب شئون المقيمين خارج ديار الإسلام، وتوطين دعوتهم وترسيم مؤسساتهم، ما بقي صاحبه على ولائه لملته وأمته، ووفائه بعهده مع الله ورسوله، وآمنًا على نفسه وأهله من الفتنة في الدين، مع رعاية ما يقتضيه هذا الوجود من الالتزام بعقد الأمان مع الدولة الـمُضيفة وما يترتب عليه من مقتضيات.
• الإطار القانوني الذي يحكم العلاقة مع الدول المضيفة خارج ديار الإسلام هو عقد الأمان، الذي تُنشئه وثائق الإقامة الرسمية، ومن مقتضياته الالتزامُ بالقوانين والنُّظُم المحلية ما لم تحمل على فعل محرَّم أو ترك واجب. والوفاء بهذا العقد ضرورةٌ شرعية ودعوية، وعند التعارض يكون التحفظ خاصًّا بالبند الذي وقعت فيه المعارضة، ويبقى ما عداه على أصل الإلزام.
• الأصل أن حُرمة دماء المعاهدين كحرمة دماء المسلمين، وأن مقتضى العهد أن يكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ولكن لا يحلُّ لأحد أن يشترك في حروب ظالمة سواء أكانت تحت مظلة المسلمين أم تحت مظلة غيرهم، ويشرع له نجدة كل مظلوم استنصر به وهو قادر على نصرته، سواء أكان من المسلمين أم من غيرهم.
• الإطار الخُلُقي الذي يحكم العلاقة مع المعاهدين من غير المسلمين هو البرُّ والقسط، وهو يمتدُّ ليشمل العدلَ والفضل جميعًا.
• المسلمون المقيمون خارج ديار الإسلام مدعُوُّون إلى الاندماج الواعي الإيجابي في هذه المجتمعات، ويقصد به التكيُّفَ المنضبطَ مع أوضاع المجتمع الحياتية في مختلف جوانبها السياسية والاقتصادية والقانونية، بما لا يتعارض مع الخصوصيات الدينية والمواريث الإسلامية، فإن الذي يخالط الناس، ويدعوهم إلى فعل الخيرات، ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم(3).
• ومن مقتضيات ذلك الإقرار بالتعددية إقرار المخالفين وما يدينون، ولا يعني هذا الإقرارَ الكذب على الله، أو التلبيس على عباده، بل يتعين الصدع بالحقِّ وفاءً بعهد الله ونصحًا لعباده.
• ومن مقتضياته كذلك المشاركةُ السياسية، ولا حرج فيها، شريطة ألا تستنفد فيها الطاقات، وألا تحمل على الاستطالة على الآخرين، وألا تصرف عن الاشتغال بالأعمال الدعوية أو التعليمية أو التربوية. ولنجاحها لابد من الاتفاق على أجندة سياسية، وعلى جهة تمثِّل الصوت الإسلامي، وتحمله إلى المعترك السياسي بنجاح.
• ومن مقتضياته المشاركة في تحقيق الصالح العام للمجتمعات والدول المضيفة، ولا حرج في ذلك إذا حسُنت فيه النيات، لعموم شريعة التعاون على البر والتقوى، بالإضافة إلى كونها وسيلةً من وسائل تواصل غير المسلمين خارج ديار الإسلام مع مبادئ الإسلام وقواعده وأحكامه.
هذا الذي نهج لنا في تأصيل هذه القضية، وبلورة ملامحها، والله من وراء القصد. والله تعالى أعلى أعلم.

—————————

(1) ففي الحديث المتفق عليه؛ الذي أخرجه البخاري في كتاب «المظالم والغصب» باب «الظلم ظلمات يوم القيامة» حديث (2447)، ومسلم في كتاب «البر والصلة والآداب» باب «تحريم الظلم» حديث (2579)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
(2) قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 13].
(3) فقد أخرج أحمد في «مسنده» (2/ 43) حديث (5022)، والترمذي في كتاب «صفة القيامة والرقائق والورع» باب «ما جاء في صفة الحوض» حديث (2507)، وابن ماجه في كتاب «الفتن» باب «الصبر على البلاء» حديث (4032) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْـمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْـمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ». وذكره الألباني في «السلسلة الصحيحة» حديث (939).

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   05 السياسية الشرعية, 07 آداب وأخلاق

فتاوى ذات صلة: