الأدب مع الله

رأيت امرأةً مقتولةً نتيجة جريمةٍ، وابنتُها الصَّغيرة ما إن دخلتِ الشَّقَّة ورأت ذلك جُنَّت، قلتُ في نفسي: لماذا لم يتدخل الله ويتلطَّف بالصَّغيرة؟!
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه و من والاه؛ أما بعد:
فاعلم أن اللهَ جل وعلا قد خلق كلَّ شيءٍ بقدر، وأنه تعالى هو الفعال لما يُريد(1)، فما من النَّاس من أحد إلا ويريد ما لا يفعل أو يفعل ما لا يُريد، ولكن اللهَ وحده هو الفَعَّال لما يُريد، وأنه تعالى لا يُسأل عما يفعل(2)، ولكن أفعالَه لا تنفكُّ عن حكمته، سواءٌ أدركنا هذه الحكمة أم غابت عنا، فالخير بيديه والشرُّ ليس إليه(3)، وليس لأحد أن يقول: لماذا لم يفعل الله كذا، فإن هذا ليس من الأدب مع الله عز وجل ، وهؤلاء الصغار الذين ابتلوا لا شك أن الله تعالى تعالى يعوضهم عن ذلك بعد موتهم، فإن الله عز وجل كما اشترى من المؤمنين البالغين المكلفين كذلك اشترى من الأطفال فآلمهم وأسقمهم، لما في ذلك من المصلحة، ولما فيه من الاعتبار للبالغين فإنهم لا يكونون عند شيء أكثر صلاحاً وأقل فساداً منهم عند ألم الأطفال ، ,فقد يكون بقية أهل هذه الصغيرة من مرتكبي المحرَّمات أو تاركي الواجبات ، فإذا رأوا تألَّم طفلتهم فقد يردهم ذلك إلى الله عز وجل، ويحملهم على الانكفاف عن المحرمات، فأعماله تعالى لاتنفك عن حكمته، فكل ما فعله علمْنا أن له فيه حكمة ، وهذا يكفينا من حيث الجملة – كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (4)- وإن لم نعرف التفصيل ، وعدم علْمنا بتفصيل حكمته بمنزلة عدم علمنا بكيفية ذاته ، وكما أن ثبوت صفات الكمال له معلوم لنا، وأما كنه ـ أي حقيقة ـ ذاته فغير معلومة لنا : فلا نكذب بما علمناه ـ أي من كماله ـ ما لم نعلمه ـ أي من تفاصيل هذا الكمال ـ ، وكذلك نحن نعلم أنه حكيم فيما يفعله ويأمر به ، وعدم علْمنا بالحكمة فى بعض الجزئيات لا يقدح فيما علمناه من أصل حكمته ، فلا نكذب بما علمناه من حكمته ما لم نعلمه من تفصيلها. ونسأل اللهَ لنا ولك التَّوفيق والسَّدادَ. واللهُ تعالى أعلى وأعلم.

ــــــــــــــــــــــــ

(1) قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج 14- 16].
(2) قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 22- 23].
(3) أخرجه مسلم في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» باب «الدعاء في صلاة الليل وقيامه» حديث (771) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
(4) انظر: مجموع الفتاوى (2/34)، ودرء تعارض العقل والنقل (10/39).

تاريخ النشر : 31 يوليو, 2017
التصنيفات الموضوعية:   03 العقيدة, 07 آداب وأخلاق

فتاوى ذات صلة: