استسماح تائب من علاقات نسائية منهن لصحة التوبة

لدي استفسار مهم جدًّا؛ أنا شخص لست من المحافظين على الصلوات الخمس، وعاقٌّ لوالدي، ومقصِّرٌ كثيرًا بحق الله وبحق الوالدين، وأحادث البنات على الإنترنت، لكن لم أخرج معهن أبدًا، ولا قابلتهن، فقط «فيس بوك، وتويتر، وكيك، وجوال»، تبت إلى الله، حتى أصبحت الحمد لله مواظبًا على صلواتي، والحمد أبر بوالدَيَّ، والحمد لله أنهيت بعض علاقاتي مع الفتيات، والبعض الآخر قريبًا إن شاء الله حتى أنني قمت بكسر الشريحة ولم أتواصل معهن، وليس لدي جوال ولا أريده إلى أن أُصبِح تائبًا لربي تمامًا، عندي قصص مع بعض الفتيات وأريد بعض الإجابات والحلول:
– تعرَّفْتُ على فتاة منذ أسبوع، وتحدثنا مع بعضنا، وعندما علمت بأنها متزوجة نَدِمْتُ ولم آخذ رقم جوالها، وقلت لها: «أنا بحذف، أتمنى إنك تسامحيني من كل قلبك». قالت لي: «والله ما أسامحك لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأنا سويت مشاكل مع زوجي وسأتطلق منه». قلت لها: «اذكري الله، اتقي الله». تقول لي: «أنت السبب». قلت لها: «أنا ما لي صالح». تقول: «أنت اتفقت معي على الزواج». وأنا يا شيخنا والله لم أتفق معها على الزواج، ولم نتحدث في الزواج نهائيًّا، تدعي عليَّ بشيء أنا والله بريء منه، حتى والله إنها تقول لي: «تعالَ للشرقية نطلع سوى» لما يطلع زوجها، يوم قالت لي إنها تريد أن تخرج من وراء زوجها من ذلك اليوم خفت، وتذكرت أنه كما تدين تُدان، وأنا والله لم أخرج أبدًا مع أي بنت وأردت أن أبدأ صفحة جديدة مع ربي، وقمت بحذفها؛ لأنها لا تريد المسامحة، وتريد مني الاستمرار معها.
وسؤالي الآن: هل يقبل الله توبتي ويعفو عني إذا الشخص لم يسامحني؟ وهل أتحمل ذنبها؟ علمًا بأنني متضايق من قولها لي: «ما أنا مسامحاك لا في الدنيا ولا في الآخرة».
– عندي فتاة أخرى تعرفت عليها منذ ما يقارب السنة أو أكثر من ذلك، متعلقة بي تعلُّقًا شديدًا، وأنا أريد أن أتوب ولا أريد أن أجرح مشاعرها لو اعترفْتُ لها بأني سوف أتركها، وأطلب منها المسامحة، هنا الخوف من أمرين إما أنها لا تسامحني مثل القصة الأولى أو أنها تسامحني ظاهرًا، ولكنها في قلبها لم تسامحني بعدُ، وأخاف أن تدعو علَيَّ بالهلاك، علمًا بأنني تأسفت لبعض الفتيات وسامحوني، وأخاف أن يكنَّ سامحنني ظاهرًا فقط ولم يسامحنني من قلوبهن.
وسؤالي الآن: إذا سامحتني بالظاهر ولم تسامحني من قلبها، هل الله يعفو عني ويقبل توبتي؟ وهل أتحمل ذنبها؟
– كنت على علاقة مع فتاة متزوجة من خلال الجوال، ولم أتحدث معها منذ شهرين فقد تركتها ولم أتحدث إليها وسؤالي الآن: هل أتصل عليها وأستسمحها أم أتركها وعفا الله عما سلف؟
– معظم الفتيات الأخريات أرسلت لهن رسالة بأنني سوف أحذف البرامج وأرجو منكن المسامحة، ولم يأتني منهن رد؛ لأنه كان وقت الاختبارات، وبعضهن لم يفتحن إلا بعض الوقت لمدة شبه طويلة؟
والسؤال الآن: هل أحذف البرامج أم أنتظر ردهن جميعًا، ولا أحذف البرامج إلا عندما يأتيني الرد من الجميع؟
– لدي فتاة لم أستطع الوصول إليها للاعتذار، ولدي فتاة أخرى انقطعت عنها منذ شهور، فماذا أفعل في هذه الحالة حتى تصبح توبتي خالصة من الذنوب؟ وهل يوم القيامة يُحاسب العبد على ما فعل من الذنوب حتى لو تاب إلى الله سواء أسامحه الشخص المقابل أم لم يسامحه؟ وهل يعذب ويحاسب الشخص التائب على جرح مشاعر الآخرين والتلاعب بمشاعرهم حتى وإن تاب؟ وما رأيك بمقولة «إذا علقت إنسانًا في حبك وأنت تلعب تتحمل جميع ذنوبه إلى يوم القيامة، وإنك إذا أبكيت إنسانًا تلعنك الملائكة إلى أن يرضى عنك» هل هي صحيحة أم لا؟
وهل يا شيخنا يبتلي الله الشخص في أهله مثلًا بأخته أو زوجته أو ابنته بالمستقبل حتى لو تاب إلى الله على مقولة «كما تدين تدان»؟ وما هي شروط التوبة الصحيحة؟ وبماذا تنصحونني وترشدونني؟ وما هي الأدعية التي تجعلني خاليًا من الذنوب والمعاصي كيوم ولدتني أمي؟ أريد فتح صفحة جديدة مع رب العالمين، ولكنني لا أعلم ولا أتفقه في أمور الدين، ولا كيفية التعامل مع الله؟
الحمد لله، فلقد بدأت أحافظ على صلاة الجماعة في المسجد، وبدأت أبر والدي، وما زلت أفتقر إلى النصح والإرشاد في المحافظة على الصلوات وكيفية بر الوالدين، وأعاهد الله ثم أعاهد الجميع على أن أفتح صفحة جديدة خالية من الذنوب والمعاصي، ولو كان لديكم أي استفسار فأنا جاهز للرد، وأنا في ضيق شديد جدًّا وأريد منكم النصح والإرشاد أكثر فأكثر، أرجو الرد سريعًا؛ لأني مقبل على الله ثم عليك يا شيخنا الفاضل، أرجو أن تدعو لي بظهر الغيب بالثبات على الدين.
آسف على الإطالة وألتمس العذر منك على إطالتي وإزعاجك، جزاك الله خير الجزاء، وجعلها الله في ميزان حسناتك، وعسى الله أن يجمعنا في جناته.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فلتَهْنِكَ التوبة، وأسأل الله أن يُثبِّتَك عليها.
واعلم أن للتوبة النصوح أركانًا تتمثل في إصلاح الماضي بالندم، وإصلاح الحاضر بالإقلاع عن الذنب، وإصلاح المستقبل بالعزم على عدم العودة إلى الإثم مرة أخرى، ثم رد المظالم، أو التحلل من أصحابها.
لقد ملأت صحيفتَكَ يا بُني بكثير من المظالم والتهتُّكات، ولكن لا يَعْظُمُ ذنب على التوبة، فاقطع جميع هذه العلاقات المحرَّمَة، وأصحابها لهم الله عز وجل، ومن تظنُّ أنك قد ظلمته منهم بهذه العلاقات الآثمة، فأكثر من دعائك له بظهر الغيب، ولا تتواصل مع أحد منهم تواصلًا مباشرًا فيكون ذريعةً لك إلى نقض التوبة ومراجعة الإثم مرة أخرى.
أما هذه المقولة «إذا علقت إنسانًا في حبك وأنت تلعب تتحمل جميع ذنوبه إلى يوم القيامة، وإنك إذا أبكيت إنسانًا تلعنك الملائكة إلى أن يرضى عنك». فلا أعرف لها أصلًا، وهي ظاهرة التهافت، ولكن بطبيعة الحال لا يجوز العبث بمشاعر الآخرين والاستخفاف بعواطفهم.
واعلم أن «التَّائِب مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ»(1). بل قد يبدل الله ذنوبه حسناتٍ إذا أحسنَ التوبة ولم ينقضها، فقد قال تعالى:  إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: 70]، ولاسيما إذا أتبعها بالعمل الصالح، فقد قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ [هود: 114]. وفي الحديث: «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْـحَسَنَةَ تَمْحُهَا»(2).
أسأل الله أن يُقِيلَ عثْرَتك وأن يتقبل توبتك. والله تعالى أعلى وأعلم.

—————————-

(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب «الزهد» باب «ذكر التوبة» حديث (4250) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وذكره الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» حديث (3145) وقال: «حسن لغيره».
(2) أخرجه أحمد في «مسنده» (5/ 153) حديث (21392)، والترمذي في كتاب «البر والصلة» باب «ما جاء في معاشرة الناس» حديث (1987) من حديث أبي ذر رضي الله عنه. وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وذكره الألباني في «السلسلة الصحيحة» حديث (1373).

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   07 آداب وأخلاق, 12 فتاوى المرأة المسلمة

فتاوى ذات صلة: